تحميل .... CLOSE

في النقد بين “هارون الرشيد” والتاريخ

كتبت الناقدة الفنية شيماء أحمد في موقع “بوابة الفجر” المصري: حياة القصور ليست سهلة كما يتصورها البعض، بها رغد العيش وبريق الدنيا وبها الخبث والمكر والخداع، حيث لا يعلم أحد مكنونات صدور قاطنيه، وهذا ما حاول صناع مسلسل “هارون الرشيد” إظهاره بالتركيز على بعض الزوايا التي لا يعلمها الكثير عن حياة الخليفة الرشيد.

كلنا يعلم أن الرشيد كان تقيًا محبًا للعلم والثقافة والآداب وشهد عهده ازدهارا لم يكن له مثيل، وكان قويًا رادعًا حاد الذكاء يعلم جيدًا متى يُنزل الضربة بأعدائه فتكون قاضية لا قيام منها، ولكن من منا يعلم الدسائس والصراعات التي دارت داخل القصر من أجل الوصول إلى كرسي الحكم، كم مؤامرة تم تدبيرها ؟ ولصالح من ؟ وكيف تم القضاء عليها؟ هذا ما حاول صناع المسلسل إبرازه والتركيز عليه.

بعد عرض أي عمل تاريخي يتجه البعض للهجوم عليه وشن التهم عن تزوير التاريخ ومحاولة التركيز على أشياء دون غيرها، وهذا ما حدث مع مسلسل “هارون الرشيد” والذي يقوم ببطولته الفنان السوري قصي خولي والفنانة كاريس بشار، ومن تأليف عثمان جحا، وإخراج عبدالباري أبو الخير، إتهم الكثيرون صناع المسلسل بأنهم يصورون هارون باللاهي المنشغل عن أمور الحكم والدولة بالجواري والنساء، وأنه منقاد وراء البرامكة ولا سلطان له.

هذا الشئ لم أشاهده في المسلسل بل على العكس، شاهدت خليفةً داهية في تفكيره، يعرف أعدائه جيدًا ويبث عيونه في كل مكان بالقصر وخارجه، يمسك كل الخيوط بيده دون أن يعرف أحد ويعلم جيدًا مصلحة دولته ومتى يُنزل العقاب، هذا الدور الذي لعبه قصي خولي بإتقان وحرفية عالية وظهر من ملامح وجهه، نظرات عيونه الحادة التي تحمل الكثير من المعاني حتى ابتسامته الساخرة أحيانًا يخفي ورائها الكثير، غضبه، طريقة تفكيره حتى وهو مع نسائه، نبرة صوته المتغيرة بتغير الأشخاص والمواقف.

لا أعلم لماذا يتم الربط بين الانشغال عن الحكم بالنساء، مع أنه لأجل النساء قامت الحروب وسقطت الممالك ولنا في ذلك أمثلة كثيرة ذكرها التاريخ، والقرآن شاهد على مكر النساء “إن كيدهن عظيم” فكيف بقصر يعج بهن سيدات كن أم جواري، وفي عهد الرشيد بلغ عدد الجواري في قصره 4 آلاف كل منهن تحاول نشر الدسائس وعمل الصراعات للوصول للخليفة، وكيف لا نهتم لأمر النساء وبهم “الخيزران” التي قتلت ابنها الخليفة الهادي بمكيدة وقد ذكر التاريخ ذلك، امرأة انقلب الحكم في ليلة بسببها، وكان لها من النفوذ السياسي والذكاء ما يجعلها تسيطر على أمور الحكم، وحتى إذا أغفلنا كل هذا ما الجريمة التي إرتكبها صناع المسلسل في إظهار الرشيد أنه مولعًا بنسائه، وهل الحب والعشق حرام فقط لكونه خليفة؟ ولنا في رسول الله خير قدوة فلقد كان معروفًا بحبه لزوجاته وكان يصرح دائمًا بحبه لعائشة، ولم يشغله ذلك عن أمور الإسلام والحرب والفتوحات، ومع ذلك فلقد أظهر المسلسل الرشيد وهو يحارب أعدائه ويقضي على الفتن.

أما إذا تحدثنا عن زبيدة زوجة الرشيد، فهي معروف بعلمها وثقافتها وتدينها، وقد أظهر المسلسل ذلك في الدور الذي لعبته كاريس بشار بجدارة، فظهرت امرأة تقية دائمة السعي لراحة المسلمين وتبذل كل العطايا من أجل تمهيد الطرق للحجاج وتوفير المياه، كما عُرف عنها اهتمامها الكبير بالآداب والعلوم، فبذلت الكثير حتى حشدت في بغداد مئات الأدباء والشعراء والعلماء ووفرت لهم كل وسائل الإنتاج والبحث، وهي راجحة العقل قوية الشخصية التي يستشيرها الخليفة في كل أمور الدولة وكان لها رأي الصواب في الكثير، وبسببها عين ابنهما محمد الأمين وليًا للعهد، وكانت تعمل دائمًا فيما يصب لمصلحة الدولة ضد أعدائها وذكائها الحاد أيضًا هو من جعلها ترفض الثأر من المأمون بعد مقتل الأمين بل على العكس أرسلت له تهنئه قائلة “أهنئك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنت قد فقدتُ ابنًا خليفة، فقد عُوضت ابنًا خليفة لم ألده، وأسأل الله أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوَّض” وعاشت مكرمة في عهده يستشيرها في كل أمور الحكم، فكيف يريد البعض عدم الاكتراث بالنساء وبما يدور داخل البلاط الملكي.

أما عن البرامكة فلقد تربى بينهم هارون وكان لهم أخًا وملّكهم أمور الدولة، ولكنه لم يكن غافلًا عما يفعلون مثلما قال البعض أن المسلسل صور هذا، لقد أظهر المسلسل الرشيد وهو يبث عيونه عليهم، يلعب معهم على طريقته، تارة يجعلهم يظنون أنهم ملكوه وتارة يجعلهم يشكون في أصابع أيديهم هل هو غاضبًا؟ أم يلاعبهم؟ أم هو خليفة فاقد للسيطرة على حكمه؟ وهذا ما أظهره إحدى الحوارات في المسلسل على لسان يحيي البرمكي والذي يلعب دوره الفنان ياسر المصري، عندما قال لأبنائه جعفر والفضل ” أنتم لاتعرفون الرشيد حق المعرفة”، ودون الدخول في التفاصيل فنكبة البرامكة معروفة وكيف انقلب الرشيد عليهم بعدما ملك كل الأدلة في يديه، لأنه لم يكن القضاء عليهم سهلًا مثلما يتصور البعض فهم يعرفون خبايا الحكم منذ زمن كما لهم السيطرة على خراسان.

أما عن مجالس السمر والغناء، فالعباسيون أجمع كانوا يهتمون بالغناء والشعر ورغد العيش وبناء القصور، ومع ذلك لم يصور المسلسل الخليفة وهو مخمور أو في حالة سكر مثلما اتهمه البعض، وقد وصف ذلك أبا العتاهية في شعره عندما طلب منه الخليفة أنه يصف ماهم فيه من أمر الدنيا فقال:

عش ما بدا لك آمناً في ظلّ شاهقة القصور

يسعى إليك بما اشتهيــت لدى الرواح وفي البكور

فإذا النفوس تقعقعت في ضيق حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقناً ما كنت إلاّ في غرور

لا أفهم لماذا نربط دائمًا أي عمل تاريخي بالحروب التي دارت في ذلك العصر أو الأمور الدينية والازدهار الذي حدث في شتى المجالات، مع أننا جميعًا نعلم كل هذه الأمور، ولكن ما لا نعلمه هو الدسائس وخبايا الحكم وكواليس القصر الملكي.

وعن قصة ابنه المجهول أحمد السبتي، حيث اتهم البعض المسلسل بتشويه صورته بأنه كان زاهدًا تقيًا، ولكنه ظهر في المسلسل يحب جارية حسناء، وأرد على هذا بأنه منذ متى والحب والعشق حرام؟ هل أظهره المسلسل غنيًا ويعيش بترف؟ لم يحدث هذا بل ظهر بصورة الزاهد في العيش يصنع الطين ويبيعه لكسب رزقه، يحضر مجالس العلم ويقرأ القرآن، أحب فتاة وأراد أن يتزوجها، من الجائز أن تكون هذه الحكاية دخيلة على العمل لأن ما وصلنا عن أحمد السبتي لم يكن بالكثير، ولك لم يدور بينهما أي نص حوار يدعو للخجل فيجعلنا نهاجم بهذا الشكل.

هذا المسلسل جمع خيرة من نجوم العرب أبدعوا في أداء أدوارهم مثل ياسر المصري وعبدالمحسن النمر وغيرهم حتى الجدد منحهم المخرج والمؤلف مساحة درامية لإظهار موهبتهم، لا توجد مقارنة بين هذا العمل ومسلسل “الأمير المجهول” للراحل نور الشريف، لأنها ستكون ظالمة بعض الشئ، فاختلاف التقنيات والتطور والتكنولوجيا الحديثة ستصب في مصلحة المسلسل الجديد، حتى التمثيل فلا خلاف على أداء نور الشريف الرائع لهذا الدور، ولكن علينا ألا نغفل براعة قصي خولي في لعب الشخصية بإتقان ولا عيب أبدًا في أن يتفوق التلميذ على الأستاذ، لا أقول أن العمل لا يحمل الأخطاء فلا يوجد عمل كامل والكل مُعرض للخطأ، ولكن ليس علينا جلد كل من يحاول الاجتهاد والابتعاد عن الصورة النمطية التي أصبحنا عليها في الدراما العربية، وإذا كانت الظروف وتوقيت العرض قد ظلمت مسلسل “هارون الرشيد” ولم تعطه حقه في المتابعة والتحليل، فهناك الكثير من الأعمال لم تنجح وقت عرضها وهاجمها الكثيرون ولكنها أصبحت أعمال خالدة في أذهان الجمهور على مدار السنين.

اترك تعليقاً